حرب الأردن

شهد الأسبوع الماضي حرق الطيار والمواطن الأردني معاذ الكساسبة حياً حتى الموت داخل قفص حديدي على يد تنظيم داعش. وشأني شأن الكثير من الآخرين، فقد شعرت بالحزن الجارف بسبب وفاته بهذه الطريقة المروعة، وأحسست بالعجز حيال ما أصبح عليه حال الشرق الأوسط

ومنذ عدة أشهر كنت متشككاً من ضرورة مشاركة الأردن في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش، كما كنت ممتعضاً من حقيقة أن مشاركتنا قد فُرضت علينا، حتى مع عدم إعلامنا بالقرار إلا بعد أن تم العزم على ذلك

غير أنه يتضح جلياً عدم امتلاكنا بعد اليوم خيار الامتناع عن المشاركة في هذا التحالف، حيث أن شيئاً واحداً ظهر بالتأكيد من مقطع الفيديو الذي يُظهر حرق معاذ: ألا وهي نية داعش في إرسال رسالة، ليس فقط إلى الأردن، ولكن أيضاً لأي دولة عربية مسلمة تشارك في المعركة ضد التنظيم

لقد كان اختيارهم لمعاذ عن عمد وقصد، فلم يقوموا بحرق جيمس فولي أو كينجي جوتو أحياء حتى الموت، بل اختاروا رجلاً عربياً مثلهم، شهد والده مراراً وتكراراً بإيمانه وبقيمه الإسلامية القوية، ليكون وسيلة لإرسال رسالتهم. فمن خلال مُعاذ، برهنوا على أنهم لن يقبلوا قيام أي “مسلم” مثلهم بقتالهم

مع وجود داعش على مسافة قريبة منا واستخدامها لوفاة الكساسبة كبادرة للصدام، ومع انزلاق سوريا والعراق لحالة من الفوضى، وانتشار داعش المتنامي في شمال أفريقيا، فقد أصبحت هذه المعركة معركتنا، أكثر من أي وقتٍ مضى

وقد تجلى عدم إمكانية التفاوض مع الإرهابيين بشكلٍ واضح عندما لوّحت داعش ببصيص أمل، تمثّل في احتمالية عودة معاذ إلى دياره مقابل مبادلته بساجدة الريشاوي، بالرغم من أنه كان قد لقي حتفه قبل ذلك بأسابيع. فنحن لا نتعامل مع مجموعة تقبل بالجلوس على مائدة المفاوضات لتحقيق متطلباتها. نحن لا نتعامل مع أعضاء بالمجتمع الدولي يحاربون بعضهم البعض للحصول على الحقوق والأرض. بل نتعامل مع وحوش كاسرة يجب تدميرها وإبادتها وتوقيفها عند حدها في أسرع وقت، وبدون أي تأخير ولو للحظة واحدة. نحن نتعامل مع مجموعة أقدمت على ارتكاب تطهير عرقي وحاولت القيام بعملية إبادة جماعية خلال العام المنصرم

ولذلك، فإنه من واجبنا الأخلاقي دعم جميع الجهود الرامية إلى إبادة تنظيم داعش من على وجه الأرض والمشاركة في تلك الجهود، مع الاستعداد لكل ما قد يترتب عن هذا العمل وقبوله، بما في ذلك، وبرغم صعوبته، احتمال استشهاد المزيد من الجنود الأردنيين

ولكن هذا هو الموضع الذي تنتهي فيه المعركة الأولى وحيث تبدأ المعركة الثانية، التي هي أكثر أهمية. فالمعركة الثانية ستكون أكثر صعوبة وأطول أمداً، نظراً لكونها معركة أيديولوجية تتطلب استئصال السبب الأصلي لظهور داعش. فالقضاء على داعش يشبه محاولة قتل نجمة البحر، متى قطعت أطرافها تقوم سريعاً باستبدال الطرف المبتور، بينما إذا ضربتها على رأسها فإنها سوف تموت. فداعش تُعد ذراعاً واحدة فقط من أذرع كثيرة تتغذى على التفاوت الاقتصادي والتقدم الاجتماعي المحدود والقمع والحرمان من الحق في الاقتراع والتهميش، بالإضافة إلى مجموعة من العلل الاجتماعية والمظالم التي تم ارتكابها باسم المال والسلطة والدين

يجب اتخاذ المزيد من الخطوات الفورية، ومنها التعاطي مع معاقل التطرف مثل مخيمات اللاجئين وغيرها من جيوب الفقر المدقع المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط. يُمكننا عمل ذلك عن طريق بناء المدارس، وذلك لكي لا يقع الأطفال فريسة لظروفهم وللتأكد من عدم حرمانهم من حقوقهم الأساسية في التعليم. يُمكننا أيضاً تحقيق ذلك بضمان عدم تعرض برامج التغذية للاجئين السوريين للتعليق مرة أخرى، لكي لا يشب أي طفل سوري على ذكريات مرارة الإحساس بالجوع، والحنق على العالم الذي تغاضى عن معاناته وتجاهلها

هذا التماس من أردني إلى مواطنيه الأردنيين، من عربي لإخوانه العرب ومن مواطن دولي إلى أقرانه من المجتمع الدولي: دعونا نتحد في محاربة تنظيم داعش

دعونا نتحد في دعم جنودنا الذين يضحون بأرواحهم لكي لا نضطر نحن إلى ذلك

دعونا نتحد في تسليط الضوء على المظالم التي تُرتكب باسم المال والسلطة والدين في منطقتنا وأيضاً حول العالم

دعونا نتأكد من أن شبابنا وشاباتنا لا يجدون ما يدفعهم للانتساب إلى الجماعات المتطرفة، لكي لا يكون هناك معاذ آخر، ولكي تصبح الطائفية ذكرى عفا عليها الزمن، ولكي لا يفقد المزيد من الأبرياء حياتهم دون سبب

.لقد آن الأوان لكي نفوز بالحرب



Zein Jardaneh, Jordan

About

Zein Jardaneh received a BSc in Policy Analysis and Management from Cornell University. She is a research analyst based in the UAE, with a strong interest in international affairs and socio-economic development.


© 2017 OpedSpace.